|
المركز الإعلامي- تقرير يوسف سلمان الخباز - مأتم المحموديات
من جملة الأمراض الفكرية التي يعيشها مجتمعنا وغيره من المجتمعات الشيعية: مرض التشكيك في القضايا الدينية والعقائدية، لا سيما ما يتعلق منها بمقامات أهل البيت (ع) وكمالاتهم؛ ولذا نسلّط الضوء على هذه الظاهرة المرضية من خلال نقاط
⁃ العامل الأول: تدنّي المستوى المعرفي
⁃ وهذا العامل عامل وجداني، فالإنسان يتلمس في حياته علاقة طردية بين عمق المعرفة وعمق اليقين، وبين ضعف المعرفة وضعف اليقين، والذي قد يتراجع إلى مستوى الشك، فحين يراجع الشخص طبيبًا من الأطباء تارة يكون عارفًا بكونه طبيبًا حاذقًا ماهرًا، وخبيرًا متمرسًا، وتارة لا يعرف عنه ذلك، وفي الفرض الأول يتعامل مع تعاليمه بكل ثقة وتسليم؛ لكونه على يقينٍ به، بينما في الفرض الثاني يراوده الشك في دقة تشخيصه وإرشاداته.
وهكذا هو الحال فيما يرتبط بمعرفة مقامات المعصومين (ع) وكمالاتهم، فكلما كان مستوى المعرفة بهم عاليًا كان الإنسان شديد اليقين بشؤونهم، وكلما تدنى المستوى المعرفي كان سببًا لتوليد حالة الشك والارتياب لدى الإنسان، وهذا يعني وجود علاقة طردية بين المعرفة واليقين، فإذا ازدادت معرفة الإنسان بآل محمد (ع) تقلص شكه فيهم، وإذا تدنت معرفته ازداد شكه فيهم.
ولعلّه إلى هذا المعنى يشير الدعاء المعروف بـ(دعاء الغيبة) الذي علمه الإمام الصادق (ع) لزرارة بن أعين (رضي الله عنه) والذي يقول فيه: ((اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي)) [16]؛ لوضوح أنَّ الإنسان كلما ازداد معرفةً بالحجج (ع) كلما ازداد يقينه بهم وتقلص شكه، وكلما تدنت معرفته كلما ازداد شكه فيهم، وإذا ازداد شكه انتهى به إلى ضلاله عن الدين وفساد دينه.
ولو أراد المتتبع أن يضع يده على الشواهد التي تؤكّد على مدى تأثير هذا العامل لوقعَ على الكثير من الشواهد، ولكن يكفي أن نضع يدنا على أحدها، وهو: ما رواه الشيخ الصدوق (قده) بسنده عن الإمام الصادق (ع)، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب (ع)، عن رسول الله (ص)، أنه قال: ((يا فاطمة، إن الله تبارك وتعالى ليغضب لغضبك، ويرضى لرضاك))، قال: فجاء صندل، فقال لجعفر بن محمد 3: يا أبا عبد الله، إن هؤلاء الشباب يجيئونا عنك بأحاديث منكرة! فقال له جعفر (ع): وما ذاك يا صندل؟ قال: جاءنا عنك أنك حدثتهم أن الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها؟
قال: فقال جعفر (ع): ((يا صندل، ألستم رويتم فيما تروون أن الله تبارك وتعالى ليغضب لغضب عبده المؤمن، ويرضى لرضاه؟ قال: بلى. قال: فما تنكرون أن تكون فاطمة (ع) مؤمنة، يغضب الله لغضبها، ويرضى لرضاها! قال: فقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته)) [17].
وكما ترى، فإنَّ مسألة (رضا الله تعالى لرضا الزهراء (ع) وغضبه لغضبها) من أبسط المسائل التي يعتقدها الشيعة الكاملون في سيدة النساء (ع)، غير أنَّ (صندلًا) المذكور في الرواية – نظرًا لضعف معرفته بالمقامات الإلهية للصديقة الطاهرة (ع) – قد اعتبرَ الحديث الذي تضمنها من الأحاديث المنكرة المشكوك في صدورها، مما حدا بالإمام (ع) أن يجاري مستوى تفكيره ويقرّب له معنى الحديث بمعنى بسيط يتلاءم مع مستوى معرفته وتفكيره، والحال أنَّ معنى الحديث أدق وأعمق.
فالحديث ليس يتحدث عن رضا الصديقة الزهراء (ع) لرضا الله تعالى، وغضبها لغضبه، الكاشف عن أعلى مراتب الرضا والتسليم، وإنما يتحدث عن رضا الله تعالى لرضاها وغضبه لغضبها (ع)، وهذا يعني اتحاد إرادتها بإرادة الله تعالى، بحيث أنَّ رضاه ورضاها وغضبه وغضبها متلازمان لا ينفكان، وأين (صندل) وأمثاله من إدراك أمثال هذه المعاني؟!
فظهر مما عرضناه: أنَّ تدني المستوى المعرفي هو أول عامل من عوامل مرض الشك، بل هو من أكثر العوامل انتشارًا وتأثيرًا.
العامل الثاني: الانبهار بالنظريات العلمية.
يا هنالك مجموعة من الأشخاص – ولا سيما الطبقة المثقفة – عندما يطلعون على نظريات علمية تأخذهم حالة الانبهار والإعجاب بها، إلى الحدّ الذي إذا وجدوها تتصادم مع بعض الحقائق المعرفية الدينية فإنهم يبادرون إلى رفض هذه الحقائق، بحجّة أنَّ الدين لا يمكن أن يتعارض مع العلم، وبما أنَّ الحقائق الدينية المذكورة تتعارض مع العلم فهي حقائق مرفوضة
العامل الثالث: عدم الدقّة في التعامل مع مفردات النصوص.
من أهم ما يحتاجه الشخص الذي يتعامل مع المعارف الدينية: القدرة على التعامل مع النصوص القرآنية والمعصومية، ومن أهم عوامل هذه القدرة أن يكون الشخص دقيقًا في فهم مفردات النصوص، وعدم إسقاطه للمعاني المتداولة في زمانه على المفردات المستخدمة في زمن النص، إلا بالاستعانة بآليات متعارفة في علم أصول الفقه، وإلا فإنَّ ذلك ينتهي بالإنسان إلى إنكار بعض الحقائق وتشكيكه فيها بسبب الخلط بين المعاني.
فمثلًا: من المشهورات التاريخية والمنبرية أنَّ الإمام الحسن (ع) لما سمّه معاوية بن أبي سفيان قد أثرّ السم فيه تأثيرًا بالغًا إلى الحدّ الذي انتهى به إلى تقيؤ كبده المباركة غير أنَّ بعض الأشخاص المهوسين بتنقية التراث وتصحيح الروايات والتاريخ قد أنكر هذه الظلامة، بحجة أنَّ من الثابت طبيًا استحالة تقيؤ الإنسان المسموم لكبده مهما كان أثر السم حادًا، أو بحجج أخرى [24].
وهذا من المؤسف جدًا؛ فإنَّ هذا الإنسان لو كلّف نفسه عناء مراجعة المعاجم اللغوية، وحاول أن يستوعب مفردات النصوص التي يتعامل معها، لما انتهى به الأمر إلى هذه النتيجة؛ لوضوح أنَّ مفردة (الكبد) لا يُراد بها في الاستعمالات العربية خصوص العضو الخاص، كما هو المعنى المتعارف في زماننا، وإنما يُراد بها كامل ما في جوف الإنسان وعليه فهب أنَّ النظريات العلمية تمنع من تقيؤ العضو الخاص، إلا أنها لا تمنع من تقيؤ بعض ما في الجوف من الأحشاء.
وعليه، فاللازم على الإنسان قبل أن يثير الشكوك حول النصوص المرتبطة بأهل البيت (ع) أن يلاحظ مفردات النصوص، ويتجنب غفلة الإسقاطات.
العامل الرابع: إعمال الذائقة الخاصّة.
وهذا العامل من أنكى العوامل التي تحدو بالبعض للتشكيك – بل إنكار – بعض شؤون أهل البيت (ع) وخصائصهم، حيث يتعامل هؤلاء مع ما يسمعون ويقرؤون من شؤون المعصومين (ع) من منطلق استحسانات شخصية وذوقية خاصة، فيقبلون فقط ما ينسجم مع أذواقهم الشخصية، ويرفضون ما لا يتلاءم مع ذوقياتهم واستحساناتهم، بغضّ النظر عن كلّ الاعتبارات الأخرى.
النقطة الثالثة: آثار مرض الشكّ في حياة الإنسان.
حين يعتاد ذهن الإنسان على التعامل مع خصائص أهل البيت (ع) ومقاماتهم بلغة الشك، ويستشري ذلك في حياته، فإنَّ ذلك يترك على حياته مجموعة من الآثار المؤسفة، سنركز على أثرين خطيرين منها:
الأثر الأول: تزلزل اليقين.
وهذا ما تشير إليه إحدى الروايات الواردة عن أمير المؤمنين (ع): ((يسير الشك يفسد اليقين))، ولكي يتضح المقصود منها: لا بدَّ من معرفة أهميّة مبدأ اليقين في حياة الإنسان، وخلاصة الكلام حوله: أنَّ هنالك ترابطًا وثيقًا جدًا بين عقيدة الإنسان وعمله، فكلما كانت عقيدة الإنسان أشدّ إحكامًا تركت أثرها على سلوك الإنسان وتصرفاته وعلاقاته، فالاعتقاد الجازم بالمبدأ والمعاد يولّد لدى الإنسان منهجًا حياتيًا يختلف عن منهج المنكر لهما، ويتجلى ذلك بوضوح عند المقارنة بين هذين الصنفين من الناس.
وإذا أردنا أن نضرب مثالًا لتقريب الفكرة: فلك أن تقارن بين المعتقد بالولاية التكوينية للمعصومين (ع) وغير المعتقد بها، فالأول لا يشق عليه قبول المعاجز والكرامات بخلاف الثاني، كما أنَّ الأول لا يستنكف عن التوسل بأهل البيت (ع)، بل يتقرب بهم إلى الله تعالى، بينما الثاني تأبى نفسه ذلك، وقد ينتهي به الأمر لاعتبار التوسل بهم شركًا ومنافيًا للتوحيد، وهكذا.
مما يؤكد أنَّ أيَّ خلل في مستوى اليقين يلقي بظلاله على طبيعة السلوك من ناحيةٍ وخطوط الشبكة الفكرية والعقائدية من ناحية أخرى، ومن هنا تتولد الخطورة الفادحة للشك؛ إذ أنَّ هذا المرض – ولو بمقدار قليل، كما في الخبر العلوي – يزلزل مبدأ اليقين من حياة الإنسان، وإذا تزلزل اليقين انعكس ذلك سلبًا على واقع الإنسان.
الأثر الثاني: فساد الدين.
وهذا ما تشير إليه إحدى الروايات الواردة عن أمير المؤمنين (ع) حيث يقول: ((من كثر شكه فسد دينه))، ولعلّ ما تعنيه هذه الرواية هو الإشارة إلى أنَّ الشك نافذة من نوافذ فساد الدين؛ لأنَّ المطلوب في الدين أن يكون مبنيًا على اليقين، كما تشهد بذلك العديد من النصوص، ومنها: ذمّ القرآن الكريم لبناء الدين على الظن، كما في قوله تعالى مجده: {إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [33].
وإذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني وجود علاقة تراتبية بين مرض الشك وفساد الدين؛ إذ أنَّ الشك يفسد اليقين، وفساد اليقين يفسد الدين، وهل ثمة شيءٌ أعظم من فساد الدين؟! ولعلّ ما ذكرناه يُمكن أن يُستظهر من قول الأمير (ع): ((إيّاك والشك؛ فإنّه يفسد الدين، ويبطل اليقين)) وأظهر منه قوله (ع) أيضًا: ((الشك يفسد اليقين، ويبطل الدين))
تصوير : عبدالله راشد - علي الخباز
|